ونفس وما سوّاها
أيها الإنسان !
** سواك ربي وصورك فأحسن خلقك وتصويرك , { في أي صورة ما شاء ركبك } " الانفطار : 8 " , { لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم } " التين : 4 " , وكرمك على خلقه أجمعين { ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر ةالبحر } " الاسراء : 70 " , وقال تعالى : { قال أرأيتك هذا الذي كرمت عليّ لإن أخرتنِ الى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا * قال اذهب فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم جزاءً موفوراً * واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الاموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا * إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا } " الاسراء 62 – 65 "
.
** خلقك الله يا اخي الانسان خلقا سويا , كامل الوصف مستقيم المعنى , ومنحك نعمة البصر , والسمع , والفهم , والكلام { ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين } " البلد : 8 , 9 " , وأعطاك ما لم يعط خلقه الآخرين , سخّر لك البر والبحر , والهواء والسماء , والحيوان , والجماد , وأنبت لك النبات , وأبهج لك الحياة , ورسم لك الطريق , ومهّد لك السبيل { ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } " الاسراء : 70 " , جعلك الله أيها الانسان خليفة لله في الارض , تحكم وترسم , وتأمر وتنهى , وتتمتع وتسعد , وتًشقي وتَشقى , وترفع وتّذل { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الارض خليفة } " البقرة : 30 " , { إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين } " ص : 71 , 72 " .
** خلقك الله بيديه من طين حقير , من حمأ مسنون , من ماء مهين , من طين لازب , ولكنه رفعك على الكثيرين وكرمك بالعقل , وأضفى عليك من روحه فجعل لك روحانية مشرقة , ونفسا صافية تسمو الى السماوات , وتستشرف أحسن الاعمال وتتطلع الى رفعة الخلائق , ولم يجعلك إلهاً تطغى وتتكبّر , وتعلو وتتجبّر , وتفسد وتسفك الدماء , ولم يجعلك عبداً لا حول لك ولا طول ولا سلطان ولا قدرة ... لم يجعلك أداة مسيّرة لا إرادة لها ولا توجيه .
** لا يا أخي الانسان ... إن الله جعلك عبداً مكرماً , تعرف الخير والشر , وتدرك الرفعة والسمو , وهيأك لخلافة الارض وعمرانها { وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } " النحل : 78 " , { إنا عرضنا الأمانة على السموات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان } " الاحزاب : 72 " .
** فأنت موكّل بعمارة الارض وإصلاحها , بالعدل والتقوى بشريعة الله السمحة , بالعمل الطيب المثمر , بالتعاون الخلاّق البنّاء , بالهدي السامي النبيل , بالخلق الرفيع الطيب , بالمحبة والتسامح , بالارتفاع الى مستوى الانسانية التي خلقك الله عليها , بمستوى الخلافة التي تجعلك في المقام الأسنى ... لست مَلَكاً تطيع ولا إرادة لك , ولست شيطاناً مريداً تفسد ولا تحسن ... ولكنك انسان تملك الطاعة والاحسان كما تملك التمرد والعصيان ... ولكنك تستطيع أن تكون الخيّر البرْ ... فلا تطغى , ولا تتجبّر , ولا تزني , ولا تسرق , ولا تكذب , ولا تغش , ولا تحتكر طعام الناس , ولا تؤذيهم بالقول واليد ... ولا تنحرف الى اللذائذ ولا تنحدر الى الحيوانية كما أراد فلاسفة الغرب وأساطينه وأبواقهم من أصحاب الدعايات والآراء والأفكار الذين يرددونها , والألفاظ التي يلوكونها من الأيدلوجية والميثافيزئية والأمبريالية والميثاغوجية , وهكذا يريدون باللفظ الغريب العجيب أن يحرروا الانسان العربي من سمو الدين ورفعة الاسلام , ينحدر حيواناً همه أن يأكل ويشرب , ويتمتع ويطغى , ويحيا لأتفه قيمة من قيم الحياة ... ألمأكل والمشرب والمنكح { والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الانعام والنار مثوىً لهم } " محمد: 12 " , { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق } " المؤمنون : 115 , 116 " .
فيأيها الانسان ّ !
** سوّى الله نفسك وكرمها ووهبها ما تطمئن به من الهدى والتقوى ... ومنحك ما تستطيع به أن تقابل ربك بالشكر والعرفان , والعمل وصحة الايمان , وأعطاك من المواهب ما تستطيع به أن تكون خير انسان , وأسمى مطيع للرحمن .. لقد كان الانسان من قبلك في جاهلية العرب الأولى على عادات مظلمة وعبادة وثنية , وانحراف في الخلق , في فوضى وهمجية , ضيّع نفسه الانسانية , انقلب حيواناً أرعن يأكل , ويشرب , ويفسق , ويقتل , وينهب , ويسلب ... لا قيمة للانسان ولا قيمة للحياة عنده .. فلمسَة من يد الرحمن بهداية المصطفى عليه السلام انقلب بفضل الله عظيما يحمل رسالة , كريما يهب نفسه لله , صافيا يتعبد الله بالتقوى , يخاف الله ولا يخشى سواه , ولد في ظل الله فكان المسلم الذي حمل رسالة الاسلام للعالمين .
** عُد أيها الانسان الى رب العالمين .. الى تربية محمد عليه السلام .. وكن الانسان الذي يستحق التكريم { يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي الى ربك راضية مرضية } " الفجر : 27 , 28 " , { يا أيها الانسان إانك كادح الى ربك كدحاً فملاقيه } " الانشقاق : 6 " , { فذكّر إن نفعت الذكرى * سيذكر من يخشى * ويتجنبها الأشقى } " الاعلى : 9 – اا " .
فألهمها فجورها وتقواها
** خلق الله الانسان خلقاً سويّاً , وأعطاه القدرة على اكتساب الطاعة والمعصية , وأتاه العقل الذي يفرق به بين الخير والشر , ويميز بين الحسن والقبيح ويعرف أمر الله ونهيه ... وبين له طريق الهدى والنور , وطريق الشر والضلالة , وحده الله له معنى الخير , ومعنى الشر , { وهديناه النجدين } " البلد : 10 " , { إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً } " الانسان : 3 " , وانت يا أخي المسلم ... واحد ممن خلق الله .. ممن أتاه العقل يميز به بين الخير والشر والحق والباطل ... والهدى والضلالة , وأعطاك الله ديناً قيماً ملّة محمد " عليه السلام " , موضّحة الطريق , بيّنة المعالم , صريحة في بيان الحلال والحرام , فالحرام بيّن والحلال بيّن , .. وأنت تستطيع أن تختار الهدى أو الضلال , وأن تفعل الخير أو الشر , استمع الى قوله تعالى : { ونفسٍ وما سوّاها * فألهمها فجورها وتقواها } " الشمس 7 , 8 " أي بيّن لها طريق الخير والشر فإما أن تختار الخير وتفعله { قد أفلح من زكّاها } " الشمس : 9 " , وإما أن تختار الشر فتفعله { وقد خاب من دسّاها } " الشمس : 10 " , وقال سبحانه : { من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلاّم للعبيد } " فصلت : 46 " .
** حاشا لله أن يظلم انسان ... تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً { وخلق الله السموات والارض بالحق ولتًجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يًظلمون } " الجاثية : 22 " , { إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكنّ الناس أنفسهم يظلمون } " يونس : 44 " , وإنما الناس انحرفوا عن فهم القضاء والقدر , وآمنوا بالقدرية الغيبية وهي الاستسلام للقدر وأرجعوا كل شيء من تصرفاتهم الى الله , وان الانسان مسيّر في كل شيء فاستناموا الى حياة الذل , واستسلموا للفقر وتركوا العمل , واعتقدوا خطأ أن العاصي إنما يعصي غصباً عنه , وأن الطائع إنما يطيع غصباً عنه , وهذا مناقض لصريح القرآن والسنة , قال تعالى : { قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنما يضل عليها } " يونس : 108 " , { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } " الاسراء : 15 " .
لو كان الانسان مجبراً على الطاعة والمعصية لما فرض الله سبحانه العقوبات على الذنوب , فأمر بجلد الزاني , وقطع يد السارق , وحد شارب الخمر , وعقاب قاطع الطريق ... واكتساب العبد للمعصية يستوجب النار جزاءً له , وكلا الاكتسابين كسب الخير واكتساب الشر هو من فعل الانسان قال تعالى : { ولله ما في السموات وما في الارض ليجزي الله الذين آمنوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى * الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم } " النجم : 31 , 32 " .
** فيا أخي المسلم .. أنت في إشراقة الروحانية من طاعة الله , والله أرشدك الى طاعته , وعلمك الرجوع اليه في الشدّة , كلفك التزام أمره والابتعاد عن نهيه , فامض في طاعة الله باختيارك , اترك المعصية المقيتة , احترم كرامة الانسان , أحب أخاك وأهلك , انس خصومة الأمس وانظر بالأمل المشرق الى الغد , اجعل غايتك إرضاء الله بالجهاد في سبيله , يوفقك الله الى كل الطاعات ويكتب لك الخيرات , ويبعد عنك العثرات , ويغدق لك الرزق , ويفتح لك باب الجنة { ويزيد الله الذين اهتدوا هدىً والباقيات الصالحات خيرعند ربك ثواباً وخير مردّا } " مريم : 76 " , ولا تعد الى معصية الله بالفسق والفجور , بالكذب والغيبة , بالسرقة والخيانة , بقتل المسلم وهدر كرامة الانسان , بترك الجهاد في سبيل الله , فإنك إن فعلت ذلك ران على قلبك فعل المعصية وطمس الله والعياذ به على فؤادك , وجعل الله على قلبك غطاء يبعدك عن الحق , ويؤدي بك الى الهاوية , ويقربك من النار { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } " المطففين : 14 " , قال تعالى : { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحوراً } " الاسراء : 18 " , { ومن أظلم ممن ذكّر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنّة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً وإن تدعهم الى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبداً } " الكهف : 57 " .
** حافط يا أخي المسلم على أن تبقى في هداية الله بطرح نزغ الشيطان ووسوسته , والتزامك العلم بالقرآن وقراءته , واتصالك بالله وحبك لرسوله قال تعالى : { وإما ينزغنّك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم } " الاعراف : 200 " , { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً } " الاسراء : 45 " , وحافظ ان تبقى في الطاعة بيدك , وأن تقوّم اعوجاجك بيدك , وأن تبتعد عن المعصية بيدك , وأن تؤثر في السعي لكسب العيش بيدك , وأن تكون مع أخيك عوناً ومحبة , ومع أمتك جهادا وتضحية , ولا تستسلم للكسل , لا تستسلم للهوى , لا تستسلم للعداوة والأحقاد , وامض في طريق التقوى , واترك طريق الضلال , وأصغ لصوت الحق .. لا لصوت الشيطان { قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس * من شر الوسواس الخناس * الذي يوسوس في صدور الناس * من الجنة والناس } " الناس : 1-6 " .
نسأل الله أن يهديكم الى التقوى ويبعدكم عن الفجور وحظ النفس والهوى